آخر الأخباراخبار مصر › التحقيقات الكاملة مع زكريا عزمى فى قضية رشوة زعماء أفريقيا فى ملف حوض النيل

صورة الخبر: زكريا عزمى
زكريا عزمى

لم يسجل التاريخ الحديث لمصر أن رجلا عرف معلومات دقيقة عن تفاصيل إدارة الدولة وشؤونها بقدر ما عرف ذكريا عزمى، نظرا لاطلاعه على كل كبيرة وصغيرة، وفقا لطبيعة عمله كرئيس ديوان رئاسة الجمهورية لفترة طويلة من الزمن امتدت 22 عاما فى الفترة بين 1989 وحتى 2011، فضلا على أنه الرجل الوحيد الذى حقق المعادلة الأصعب، وهى أنه يسكن فى قلب نظام الحكم صباحا ومساءً، يجلس فى المقاعد الخلفية لمجلس الشعب معارضا للحكومة، ومنتقدا سياساتها بعبارات على شاكلة «الفساد وصل للركب».

انطلاقا من هذا الوصف الدقيق للرجل الغامض الأقوى فى ديوان رئاسة الجمهورية قبل يناير 2011، فإن التفتيش فى سجلاته وسيرته الذاتية، بمثابة التفتيش والبحث عن أسرار جديدة لا تتعلق بشخصه بقدر ما تتعلق بمصر وبقضايا أساسية تنكشف حقائقها للمرة الأولى.

البحث الجنائى فقط يكشف أن الاتهام الأساسى الموجه إلى زكريا عزمى كان الكسب غير المشروع وصدر لصالحه حكم قضائى من محكمة النقض قبل شهور، وتجرى جلسات إعادة محاكمته حاليا بالتجمع الخامس، وهو مخلى السبيل وستستكمل المحكمة نظر القضية يوم الأحد 27 إبريل الجارى، غير أن البحث نفسه يكشف عن قضية قديمة بنيابة الأموال العامة العليا يرجع تاريخها لمارس 2012 حققها المستشار عبداللطيف الشرنوبى رئيس نيابة الأموال العامة العليا.

اللافت فى تلك القضية 3 أمور فى غاية الأهمية، أولها: أن القضية ظلت بأدراج النيابة العامة من 2012 وحتى وقتنا هذا، ولم يقترب منها النواب العموم الثلاثة الذين تغيروا على النيابة العامة فى الفترة الماضية بداية من المستشار عبدالمجيد محمود مرورا بطلعت عبدالله ونهاية بهشام بركات، بل لم يصدر أى منهم قرارا بحفظ القضية أو إحالتها إلى المحكمة كما هو متبع فى القانون المصرى.

الأمر الثانى أن تلك القضية هى الوحيدة من بين كل قضايا رموز الحزب الوطنى التى تجمع بين زكريا عزمى وحسنى مبارك فى ملف تحقيقات واحد، فكلاهما لم يجتمع فى قضية واحدة منذ ثورة يناير، أما الأمر الثالث: أن تلك القضية الوحيدة بين كل قضايا الأموال العامة التى تحمل على صدر الصفحة الأولى بها عبارة «التحقيقات رقم 92 لسنة 2012 حصر أموال عامة عليا.. سرى للغاية.. أمن قومى»، وهو ما لم تشهد قضايا كبيرة مثل قضية القرن أو الفساد فى القصور الرئاسية أو التلاعب فى البورصة.

السؤال.. ما هى تفاصيل قضية الأخطبوط زكريا عزمى التى شهد فيها مبارك ومكتوب على ورقها «سرى للغاية» ولم يصدر نواب العموم الثلاثة قرارا بحفظها أو إحالتها، التفاصيل لن أرويها من وجهة نظرى، ولكن سأقدمها لك بلسان زكريا عزمى بتحقيقات نيابة الأموال العامة العليا.

يقول زكريا: «كنت فى مكتبى فى قصر عابدين واتصل بى السيد رئيس الجمهورية حسنى مبارك وأمرنى بأن أرسل مندوبا للدكتور فاروق العقدة محافظ البنك المركزى، وقالى هيديلك حاجة ابعتها لى، وبالفعل اتصلت بالدكتور فاروق تليفونيا على التليفون الأرضى الخاص بالوزراء BBX علشان أعرف إنه موجود وابعت له حد يستلم الشنطة، ولما رد عليا الدكتور فاروق العقدة قالى: أنا مستنى المكاملة دى وابعت لى حد بسرعة».
يضيف زكريا عزمى: «أرسلت مندوبا من الرئاسة لتسلم الشنطة وهو صديق البكرى مسؤول الشؤون المالية، وبالفعل توجه للبنك المركزى وحصل على الشنطة وحضر بها إلى مقر رئاسة الجمهورية فى عابدين، ووضعت الشنطة فى خزينة حديدية وأبلغت رئيس الجمهورية بأنها معى، والموضوع ده اتكرر 4 مرات، وكلهم كانوا فى شهر نوفمبر 2009 والشنط ما كنتش بتقعد معايا أكثر من 24 ساعة، وباسلمها للرئيس مبارك وهو بيتصرف فيها، والشنط دى كانت تتضمن فلوس وقيمتها 4 ملايين دولار، وكل شنطة كانت تحتوى على مليون دولار».

يشرح زكريا تفاصيل إنفاق تلك الأموال يقول: «كلفنى رئيس الجمهورية أن أسلم الشنطة الأولى لأحد المسؤولين الأفارقة فى أحد الأماكن بالقاهرة، وكان معى عندما سلمته الشنطة، أحمد فايز مدير أمن مقر رئاسة الجمهورية، أما الشنطة الثانية فسلمتها إلى شخصية أفريقية أخرى فى إحدى فيلات شرم الشيخ، أما الشنطة الثالثة فسلمتها إلى شخصية ثالثة فى مهمة خارج مصر، أما الشنطة الرابعة فسلمتها إلى عمر سليمان وهو أنفقها فى عمل يتعلق بالأمن القومى».

يضيف زكريا عزمى: «أنا ماعرفش الفلوس دى جاية من حساب إيه فى البنك المركزى ودى كانت أول مرة نجيب فيها فلوس من البنك المركزى وسبقها مرة واحدة فقط تعاملت فيها مع فاروق العقدة بأوامر من رئيس الجمهورية عندما كلفنى بتحويل 5 ملايين جنيه من حساب تبرعات مكتب الإسكندرية إلى الحساب الأصلى لمكتب الإسكندرية، وتم ذلك بموجب خطاب تحويل وقع عليه رئيس الجمهورية وقتها».

من السرد الأول لزكريا عزمى تنكشف الخطوط العامة للقضية وأنها تمثل تحركات من رئيس الجمهورية آنذاك حسنى مبارك بدفع مبالغ مالية لشخصيات أفريقية، رفض زكريا عزمى ذكر أسمائها داخل جلسة التحقيق بزعم الخوف من التأثير على العلاقات المصرية الأفريقية، وأنا هنا لن أكون أقل تمسكا بالحفاظ على الأمن القومى من زكريا عزمى رغم علمى بأسماء الرؤساء الثلاثة للدول والتى ذكرها زكريا فيما بعد للمحقق خارج جلسة التحقيق.

بمجرد حصولى على أوراق القضية تملكنى شعورا بالارتباك بين مؤيد ورافض لتصرف مبارك فى ملف حوض النيل من جانب ولمناقشة قضية أمن قومى من جانب آخر، وأنه هل يصح أن نناقش على الملأ قضية أمن قومى أم نتركها لصناع القرار فى الأجهزة المعنية سواء كانت رئاسة الجمهورية أو أجهزة سيادية، وبعد تفكير وساعات طويلة من قراءة أوراق القضية، قررت ألا أتوقف عن طرح الملف للرأى العام بكل تفاصيله ليعلم الجميع كيف كان يدار الأمن القومى فى عهد مبارك، وأنه كيف كان هناك تصرفات شكلية يبدو عليها الحفاظ على الأمن القومى، فى حين أنها تضر بالأمن القومى بالغ الضرر، وتضرب وحدة مصر وقوتها وهيئتها العامة لدى الأشقاء الأفارقة، وهى المعاناة التى نعانيها الآن ونشكو ثقلها دون حل ويكفى سد النهضة الإثيوبى نموذجا.

لست أبدا ضد أن تأخذ القيادة السياسية أو أى جهاز سيادى أى قرار بتحديد منهج محدد فى التعامل مع ملفات الأمن القومى للحفاظ على مصر آمنة سالمة من كل أذى، ولكن ضد أن يكون قرارا فوضويا بعيدا كل البعد عن مؤسسية الدولة ومنهجيتها، وأن يكون القرار مهما كان بدفع أموال أم لا يأخذه فرد بعيدا عن باقى المؤسسات السيادية المعنية بالأمر.

لك أن تعلم أن الـ 4 ملايين دولار الذى تحدث عنهم زكريا عزمى لم تسجل فى أى ورقة رسمية من أوراق الدولة، سواء فى رئاسة الجمهورية أو السكرتارية أو حتى فى حسابات خاصة سرية تتبع رئاسة الجمهورية للأمن القومى، وهو الأمر الذى جعل النيابة المتخصصة المنوطة بالتحقيق فى القضية هى نيابة الأموال العامة، وهو الأمر نفسه الذى جعل المحقق عبداللطيف الشرنوبى تكون كل أسئلته تصب فى الحفاظ على المال العام وإثبات أن الـ 4 ملايين دولار أنفقت فعلا على غرض يتعلق بالأمن القومى، ولكنه لم يجد إجابة كافية بعد أكثر من 25 سؤالا جميعها دارت فى هذا الشأن، على شاكلة، هل أثبتت تلك الأموال فى محررات، لماذا لم يصدر رئيس الجمهورية أمرا مكتوبا لك بتحديد جهة إنفاق تلك الأموال، ما هو سندك فى أنك أنفقت تلك الأموال على الغرض الذى حدده رئيس الجمهورية، ما هو دليلك أنك سلمت الأموال للشخصيات التى أعلمك بها رئيس الجمهورية، وكيف حفظت الأموال فى خزينة رئاسة الجمهورية دون أن تثبتها فى الدفاتر، ألم يكن هناك تسجيلات للاتصالات الهاتفية لرئاسة الجمهورية بينك وبين مبارك عن تلك الأموال؟

الأغرب أن أغلب إجابات زكريا عزمى على المحقق أنه لا يستطيع الإفصاح عن معلومات بزعم الحفاظ على الأمن القومى، ولكن ألم يكن من مقتضى الحفاظ على الأمن القومى إثبات تلك الأموال ولو حتى فى سجلات سرية تحفظ فى الأجهزة السيادية لكى يطلع عليها من يجلس على كرسى صناعة القرار فيما بعد ويعلم التحركات التى اتخذتها القيادة السياسية من قبل ليحدد هو بعد ذلك قراره بالتعامل مع ذلك الملف.

المحزن فى طرح الملف أن النيابة العامة عندما خاطبت جهاز المخابرات العامة المصرية لتستعلم منه عن حقيقة الـ 4 ملايين دولار التى أنفقت من مبارك وزكريا عزمى على أغراض تتعلق بالأمن القومى، ومن بينها مليون دولار حصل عليها عمر سليمان بنفسه، أجابت المخابرات العامة بأنها لا تعرف شيئا عن هذا الملف بالأساس، وأن المخابرات لم تحصل على أى مبالغ نقدية من رئاسة الجمهورية لاستخدامها فى أغراض تتعلق بالأمن القومى.

إذن نحن أمام 4 ملايين دولار حصل عليها مبارك من البنك المركزى من أى حساب، لا نعرف، وبدون أى محرر رسمى، ونقلها زكريا عزمى وتحفظ عليها فى خزينة رئاسة الجمهورية ثم سلمها إلى شخصيات أفريقية، ولا نكذب كلاهما فى زعمهما ولكن سعيهما للحفاظ على الأمن القومى جاء بنتيجة عكسية وبدلا من أن يحل أزمة حوض النيل، تفاقمت الأزمة وبدأ الإثيوبيون فى بناء سد النهضة وخاب سعى مبارك للحفاظ على الأمن القومى وإيقاف سد النهضة، لأنه اختار الطريق الأسهل من رشوة شخصيات أفريقية للتأثير على قراراتهم السياسية أو تصويتهم فى مؤتمرات حوض النيل غير مهتما بالسعى نحو التنمية الحقيقية لدول حوض النيل، وأنها القصد الأكبر الذى سيعود بنتائج إيجابية على مصر وعلى حوض النيل أيضا، وأن التنمية بالأساس ستربط الشعب المصرى بالإخوة الأفارقة وستنشأ بينهما علاقة ممتدة لسنوات طويلة لا تنتهى برحيل شخصية أفريقية تلقت أمولا من مبارك.
ختامى أنه لم يكن من المقبول فى الأوساط الصحفية قبل 25 يناير مناقشة مثل هذه القضايا بدعوى الحفاظ على الأمن القومى، ولكن بعد ثورتين مجيدتين تبددت المخاوف واأصبح الأمن القومى لا يرسمه صناع القرار فى رئاسة الجمهورية، إنما يشارك فيه الشعب أيضا، وأنه من غير المقبول أن يستخدم رئيس مصر سلطاته فى إنفاق ملايين الدولارات على شخصيات أفريقية، بدعوى توطيد العلاقات وحل أزمة حوض النيل، وأنه لن يكون من غير المقبول أن يمر هذا الملف مرور الكرام دون أن يحاسب عليه مبارك وزكريا عزمى على أموال الشعب، على 4 ملايين دولار، كانت تكفى لبناء آلاف الوحدات السكنية لشباب مصر، كانت تكفى لمئات من فرص العمل فى سوق انتشرت فيه البطالة، والقرار الحكيم هو ألا تحبس أوراق تلك القضية فى أدراج النيابة العامة، وأن تفتح تحقيقاتها مرة أخرى، وهو ما شرع فيه جهاز الكسب غير المشروع قبل 4 أسابيع عندما استدعى زكريا عزمى لسماع أقواله والوقوف على حقيقة إنفاق الأموال وتحديد المسؤول عنها.

المصدر: youm7

قد يعجبك أيضا...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على التحقيقات الكاملة مع زكريا عزمى فى قضية رشوة زعماء أفريقيا فى ملف حوض النيل

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
58004

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

تابع وشارك ثورة 25 يناير على صفحتك في فيسبوك وتويتر الآن:

أخبار مصر الأكثر قراءة

كل الوقت
30 يوم
7 أيام