آخر الأخباراخبار مصر › لجنة الحريات الدينية الأمريكية تصطاد في‮ ‬الماء العكر

صورة الخبر: لجنة الحريات الدينية الأمريكية تصطاد في‮ ‬الماء العكر
لجنة الحريات الدينية الأمريكية تصطاد في‮ ‬الماء العكر

مرة أخري تجد مصر نفسها هدفا للجنة الحريات الدينية الأمريكية علي ذات النحو الذي‮ ‬وجدت نفسها فيه علي مدار فترة‮ ‬12‮ ‬سنة‮.. ‬ولكن الجديد هذه المرة هو التحول الحاصل علي الساحة المصرية بقيام ثورة‮ ‬يناير الأمر الذي‮ ‬كان من المتوقع معه أن‮ ‬يتم تقديم رؤية جديدة لواقع الحالة الدينية بين المواطنين المصريين بمختلف انتماءاتهم الدينية والطائفية،‮ ‬بشكل تبدو معه اللجنة وكأنها تحاول أن تصطاد في‮ ‬الماء العكر لبعض الأوضاع في‮ ‬مصر ما بعد الثورة‮.

فقد أصدرت اللجنة الأمريكية للحريات الدينية حول العالم‮ ‬يوم الخميس الماضي‮ ‬تقريرا‮ ‬يتضمن توصيفا بالغ‮ ‬السلبية للوضع في‮ ‬مصر وصل معه الأمر إلي حد المطالبة بوضع مصر علي قائمة الدول الأكثر انتهاكا للحريات الدينية حول العالم إضافة إلي مجموعة من الدول لم تختف من التعرض لها منذ صدور التقرير الأول عام‮ ‬1998‮ ‬وإن اختلفت حدة الانتقادات ونبرتها من عام لآخر حسب ظروف محددة‮ ‬يعلمها كل من‮ ‬يهتم بمتابعة صدور هذه التقارير سنويا وطبيعة العلاقات التي‮ ‬تربط بين الدول موضع التناول مع الولايات المتحدة‮.‬

وحسب ما ذهبت إليه اللجنة بشأن الوضع في‮ ‬مصر فإنها تري أن حدة انتهاكات الحريات الدينية قد ازدادت بشدة منذ تاريخ صدور تقرير العام الماضي،‮ ‬وأن الحكومة شاركت في‮ ‬هذه الانتهاكات بشكل أو بآخر أو تسامحت مع مرتكبيها،‮ ‬ومن بين هذه الانتهاكات،‮ ‬حالات قتل وعنف مورس ضد الأقباط والأقليات الدينية الأخري‮. ‬

ويطور التقرير من تناوله إلي التعرض لمرحلة ما بعد الثورة فيشير إلي أنه منذ تنحي الرئيس مبارك عن الحكم في شهر فبراير الماضي استمرت موجات العنف ضد الأقباط بلا هوادة ولم تقم الحكومة المصرية بتقديم الجُناة الي العدالة وعليه فإن لجنة الحريات الدينية توصي الإدارة الأمريكية بوضع مصر علي قائمة الدول التي‮ "‬تثير قلقاً‮ ‬خاصاً‮"‬،‮ ‬أي قائمة أسوأ دول مُنتهكة لحقوق الأقليات الدينية حول العالم‮. ‬كما وجهت اللجنة انتقاداً‮ ‬لاذعاً‮ ‬لإدارة الرئيس باراك أوباما لعدم قيامها بوضع القوائم الخاصة بها بشأن الدول المُنتهكة للحريات الدينية حول العالم واعتمادها فقط القوائم التي أعدت بواسطة الإدارات السابقة دونما تقديم شيء خاص بها في هذا الشأن‮.‬

ما أشبه الليلة بالبارحة

إن الملاحظة الأولي التي‮ ‬ترد علي هذا التقرير وأشار إليها الكثيرون في‮ ‬معرض التعرض بالتقييم للتقارير السابقة أن المراقب قد لا‮ ‬يجد أي‮ ‬قدر من الاختلاف بين التقرير الأول الذي‮ ‬أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية للحريات الدينية عام‮ ‬1998‮ ‬وبين أي‮ ‬تقرير أو موقف صدر من اللجنة علي مدي السنوات التالية‮.. ‬إن تقارير الحريات الدينية الأمريكية أقرب ما تكون‮ - ‬مع الفارق في‮ ‬التشبيه ذ بالخطبة التي‮ ‬يلقيها الإمام في‮ ‬الجمعة الأولي من كل رمضان‮ - ‬فهي‮ ‬تتضمن مجموعة من القيم والمعاني‮ ‬لم تتغير ولن تتغير إلي قيام الساعة من حث للمسلمين علي التزام الصيام والتقوي وطاعة الله‮. ‬وإذا كان ذلك‮ ‬يعتبر مفهوما في‮ ‬إطار طقس ديني‮ ‬فإنه‮ ‬يبدو مثيرا للدهشة بشأن تقرير سياسي‮ ‬يفترض أن‮ ‬يتطور وأن‮ ‬يتغير مضمونه تبعا لتغير الظروف والاحوال‮. ‬

ولعل هذا الأساس هو الذي‮ ‬ييسر مهمة الكثيرين من منتقدي‮ ‬هذه التقارير في‮ ‬الإشارة إلي أنها لا تتمتع بأي‮ ‬نوع من الاستقلالية عن الحكومة الأمريكية‮. ‬وأن الهدف منها لا‮ ‬يعدو أن‮ ‬يكون‮ - ‬وهو كذلك بالفعل في‮ ‬الشق الأكبر منه‮ - ‬هو فقط أن تكون أداة طيعة في‮ ‬يد الإدارة الأمريكية‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬إدارة‮ ‬،‮ ‬تبتز من خلالها الدول وترفع رايات الدفاع عن الأقليات الدينية وحقوق الإنسان‮. ‬
وإن كان هذا لا‮ ‬يعني‮ ‬أن هذه القضايا‮ ‬غير موجودة علي‮ ‬أرض الواقع وإنما هناك مخاوف مشروعة من أن تلك القضايا الأساسية التي‮ ‬تهم المواطنين قد باتت سلاحا بيد الإدارة الأمريكية من جهة تبتز به الحكومات والوقوع أسر تضخيم الواقع وتوظيفه‮.. ‬وحتي لا نكون كالنعامة التي‮ ‬تخفي‮ ‬رأسها في‮ ‬الرمال لكي‮ ‬لا تري الخطر الماثل أمامها نشير إلي أن ذلك لا‮ ‬يعني‮ ‬بأي‮ ‬حال من الأحوال أنه لا‮ ‬يوجد أساس لما‮ ‬يرد في‮ ‬هذه التقارير،‮ ‬بل علي العكس فإنها تستند إلي أسس تستمد منها مضمونها،‮ ‬غير أنه‮ ‬يجري توظيفها والمبالغة فيها بالشكل الذي‮ ‬يعطيها المضمون الذي‮ ‬تسعي إليه‮. ‬ولعله ليس أدل علي ذلك من أن دولة ما قد‮ ‬يوجد بها قدر كبير من الاضطهاد الديني‮ ‬يتم الإشارة إليها عرضا في‮ ‬التقرير،‮ ‬فيما أن دولة‮ ‬يوجد بها قدر محدود من هذا التوتر‮ ‬يتم تصوير الأمر بها علي أنه‮ ‬يكاد أن‮ ‬يرتقي‮ ‬إلي مرتبة الحروب الطائفية أو الدينية‮.. ‬إن العامل المحدد أو الحاكم لطبيعة ما‮ ‬يتضمنه التقرير هو ما أشرنا إليه موقف الولايات المتحدة وبالتحديد الكونجرس الأمريكي‮ ‬والذي‮ ‬يعكس بقدر أساسي‮ ‬موقف‮ "‬اللوبيات‮" ‬التي‮ ‬تمثل مصالح إقليمية أو قطرية‮. ‬

وخروجا من العموميات إلي التفاصيل نشير إلي أن موقف اللجنة لا‮ ‬يستند إلي أساس متين في‮ ‬ضوء العديد من الإعتبارات التي‮ ‬لا تراعي‮ ‬بأي‮ ‬حال من الأحوال الظرف الخاص الذي‮ ‬تمر به مصر حاليا ويعكس مرحلة مخاض قد تصل من خلالها مصر إلي بر الأمان أو تشهد انفراط عقدها بشكل قد لا تحمد عقباه لا قدر الله‮. ‬

وعلي هذا فإن حديث اللجنة عن حالة من اضطهاد الأقباط فيما بعد الثورة أمر‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬إطار الصورة العامة‮ ‬يفتقد المنطق في‮ ‬ضوء أن التوترات في‮ ‬الساحة المصرية تنتاب كافة الفئات الاجتماعية والدينية والاقتصادية‮. ‬بمعني أنه إذا ما أقررنا أن هناك مشكلات تواجه الأقباط فيما بعد الثورة فإن ذلك لا‮ ‬ينبع بشكل أساسي‮ ‬من كونهم أقباطا بقدر ما‮ ‬ينبع من كونه جزءا من الحالة المصرية العامة،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬ينتفي‮ ‬معه معاناة الأقباط من مشكلة تتجاوز كونهم مصريين،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬يمكن أن نلمسه في‮ ‬ملاسنات طائفية أخري قائمة للأسف فيما بين المسلمين أنفسهم،‮ ‬وهو ما برز معه علي الساحة العامة وبشكل‮ ‬غير مسبوق توصيفات السلفيين والإخوانيين والصوفيين والشيعة‮. ‬

ما سبق لا‮ ‬يعدو أن‮ ‬يكون جزءا من حالة‮ "‬السيولة الثورية‮" ‬إذا صح التوصيف التي‮ ‬تواجهها أية دولة تعيش مرحلة الثورة وتنتاب الأوضاع فيها قدر من الفوضي والتي‮ ‬يمكن لكل مواطن أو أجنبي‮ ‬يعيش علي أرض مصر أن‮ ‬يلمسها‮. ‬

من ناحية ثانية فإن مراجعة الحالة الدينية في‮ ‬مصر وفي‮ ‬مرحلة ما بعد الثورة‮ ‬يشير إلي أن التوتر الذي‮ ‬ظهر علي الساحة كان‮ ‬يتعلق بشكل أساسي‮ ‬بكنيسة صول في‮ ‬أطفيح والتي‮ ‬تشير التحليلات أو التحقيقات بشأنها إلي أنها جاءت في‮ ‬ظرف حرج لا‮ ‬يمكن معه إعفاء فلول النظام السابق من إثارته‮. ‬صحيح أن ذلك قد‮ ‬يكون قد تم بيد مسلمين ومسيحيين عاديين إلا أن ذلك لا‮ ‬ينفي‮ ‬أنه جاء في‮ ‬سياق مؤامرة لتقويض الاستقرار في‮ ‬مرحلة ما بعد الثورة‮. ‬

تغييب الموقف الإيجابي‮ ‬للمجلس العسكري‮!‬

فضلا عما سبق فإنه‮ ‬يتضح تجني‮ ‬لجنة الحريات الدينية في‮ ‬توصيفاتها المبالغ‮ ‬فيها لما‮ ‬يحدث في‮ ‬مصر من أن رد الفعل الرسمي‮ ‬ممثلا في‮ ‬موقف المجلس العسكري‮ ‬كان بالغ‮ ‬الإيجابية في‮ ‬تعامله مع الحدث حيث سعي إلي احتوائه في‮ ‬مراحله الأولي مقررا إعادة بناء الكنيسة التي‮ ‬لحقت بها أضرارا كبيرة بفعل الأحداث الطائفية وحدد موعدا محددا لم‮ ‬يخلفه لتنفيذ وعده‮. ‬وإذا كان الحادث قد فجر بعض القضايا الكامنة علي جانب بعض الأقباط وأدي إلي حدوث توترات انتهت ببعض المواجهات فإن ذلك قد‮ ‬يكون أمرا مستوعبا ومفهوما ويمكن التعامل معه باعتباره امتداداً‮ ‬لتوترات عقود مضت وليس توجيه اللوم إلي المجلس العسكري‮ ‬او مجلس الوزراء‮ .. ‬وهما الجهتان اللتان لم تتقاعسا عن الإسهام بكل ما‮ ‬يمكن في‮ ‬مواجهة الأزمة‮. ‬

يأتي‮ ‬بعد ذلك القضية محل المواجهة المحكومة والمتعلقة بمناداة التيار السلفي‮ ‬بما‮ ‬يسميه الإفراج عن كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين وهي‮ ‬القضية المتواصلة والتي‮ ‬كان آخر أحداثها الاعتصام الذي‮ ‬تم فضه حول الكاتدرائية بالعباسية أمس الأول‮. ‬بغض النظر عن منطق هذا التيار،‮ ‬وهو بالمناسبة‮ ‬يفتقد إلي‮ ‬أي‮ ‬منطق في‮ ‬موقفه،‮ ‬وذلك موضعه تناول آخر،‮ ‬فإنه من‮ ‬غير الممكن وصف الأمر علي أنه اضطهاد للأقباط‮ ‬غير مسبوق علي نحو ما أشارت إليه لجنة الحريات الدينية‮.‬

ولعل هذا العسف في‮ ‬الحكم والذي‮ ‬يعكس أبعادا قد تبدو‮ ‬غير مرئية أو واضحة أو أجندات لا تمثل الأهداف الوطنية المصرية في‮ ‬تناول اللجنة للأوضاع في‮ ‬مصر‮ ‬،‮ ‬كان وراء رفض البابا شنودة الثالث الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية،‮ ‬رفض استقبال وفد لجنة الحريات الدينية في‮ ‬الولايات المتحدة العام الماضي‮ ‬للحديث عن المشاكل التي‮ ‬تواجه المسيحيين في‮ ‬مصر،‮ ‬معتبرا ذلك تدخلا في‮ ‬شئون مصر الداخلية‮.‬

السؤال الذي‮ ‬يفرض نفسه هو‮: ‬بماذا‮ ‬يمكن أن نفسر موقف اللجنة في‮ ‬هذا التوقيت بالذات؟ في‮ ‬محاولة أولي لتفسير الأمر،‮ ‬وفي‮ ‬حدود هذه القراءة السريعة لمضمون موقف اللجنة‮ ‬يمكن القول إنه‮ ‬يعكس مساعي‮ ‬متعددة الأطراف للضغط علي مصر الجديدة بمواقفها التي‮ ‬قد تبدو‮ ‬غير مريحة للكثير من الأطراف‮. ‬ليس من قبيل استسهال اللجوء إلي نظرية المؤامرة الإشارة إلي دور إسرائيلي‮ ‬في‮ ‬هذه التطورات مع ما هو معروف عن جماعات الضغط التي‮ ‬تمثلها من تأثير بالغ‮ ‬علي الكونجرس‮. ‬وعلي من لا‮ ‬يصدق أن‮ ‬يقرأ ما كشفه عنه الصحفي‮ ‬الغربي‮ ‬أندرو هاموند في‮ ‬كتاب له حول نظرة العرب لأمريكا من مساع أمريكية لتقسيم السودان علي نحو ما حدث بالفعل ودور إسرائيل وجماعات الضغط التابعة لها في‮ ‬هذا الأمر‮.

‬إنه‮ ‬يرسم سيناريو كاملاً‮ ‬متكاملاً‮ ‬يؤكد حقيقة وصحة نظرية المؤامرة في‮ ‬إطارها العام‮. ‬كما‮ ‬يمكن تلمس المخاوف من الدور الجديد لمصر من خلال التقرير الذي‮ ‬نشرته جريدة الأهرام أمس السبت في‮ ‬صفحتها الثالثة نقلا عن صحيفة نيويورك تايمز وتحليلات وكالتي‮ ‬الإسوشيتدبرس ورويترز‮. ‬كما لا‮ ‬يمكن إنكار أن فصيلا من أقباط المهجر رأي أن الأمر‮ ‬يمثل بالنسبة له فرصة‮ ‬يمكن من خلالها تحقيق عدد من المكاسب من خلال الضغط علي صانعي‮ ‬القرار في‮ ‬مصر خلال هذا الظرف الحرج الذي‮ ‬تواجهه،‮ ‬علي ذات النحو الذي‮ ‬تري فيه العديد من الفئات مرحلة ما بعد الثورة مغنما‮ ‬يجب الخروج منها بجزء من الغنيمة‮!‬

وإذا كان من فائدة لمثل هذا التقرير فتتمثل في‮ ‬أنه‮ ‬ينبه إلي حقيقة التربص الخارجي‮ ‬بمصر،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يستدعي‮ ‬فتح ملف الحالة الدينية بين أقباط مصر ومسلميها لنقاش واسع في‮ ‬محاولة للخروج بمصر من حالة الاحتقان الطائفي،‮ ‬بمنطق‮ ‬يتجاوز تعاطي‮ ‬النظام السابق مع هذه القضية والذي‮ ‬كان‮ ‬يكرس تأزيمها ويتجاوز حوار الطرشان وتبويس اللحي‮ ‬للخروج بمصر دولة مدنية‮ ‬يختفي‮ ‬منها تماما وإلي الأبد فكرة التمييز بين مواطنيها مسلمين كانوا أم أقباطاً‮.

المصدر: alwafd.org

قد يعجبك أيضا...
loading...

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على لجنة الحريات الدينية الأمريكية تصطاد في‮ ‬الماء العكر

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
85859

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

تابع وشارك ثورة 25 يناير على صفحتك في فيسبوك وتويتر الآن:

أخبار مصر الأكثر قراءة

كل الوقت
30 يوم
7 أيام
.
.
.